ابن حجر العسقلاني
299
فتح الباري
أورده من طريق همام عن أبي هريرة مثل هذا صدره أيضا بقوله نحن الآخرون السابقون قال وباسناده ولا يتأتى فيه المناسبة المذكورة مع ما فيها من التكلف والظاهر أن نسخة أبى الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة كنسخة معمر عن همام عنه ولهذا قل حديث يوجد في هذه الا وهو في الأخرى وقد اشتملتا على أحاديث كثيرة أخرج الشيخان غالبها وابتداء كل نسخة منهما حديث نحن الآخرون السابقون فلهذا صدر به البخاري فيما أخرجه من كل منهما وسلك مسلم في نسخة همام طريقا أخرى فيقول في كل حديث أخرجه منها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيذكر أحاديث منها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيذكر الحديث الذي يريده يشير بذلك إلى أنه من أثناء النسخة لا أولها والله أعلم ( قوله الذي لا يجرى ) قيل هو تفسير للدائم وايضاح لمعناه وقيل احترز به عن راكد يجرى بعضه كالبرك وقيل احترز به عن الماء الدائم لأنه جار من حيث الصورة ساكن من حيث المعنى ولهذا لم يذكر هذا القيد في رواية أبى عثمان عن أبي هريرة التي تقدمت الإشارة إليها حيث جاء فيها بلفظ الراكد بدل الدائم وكذا أخرجه مسلم من حديث جابر وقال ابن الأنباري الدائم من حروف الأضداد يقال للساكن والدائر ومنه أصاب الرأس دوام أي دوار وعلى هذا فقوله الذي لا يجرى صفة مخصصة لاحد معنى المشترك وقيل الدائم والراكد مقابلان للجاري لكن الدائم الذي له نبع والراكد الذي لا نبع له ( قوله ثم يغتسل ) بضم اللام على المشهور وقال ابن مالك يجوز الجزم عطفا على يبولن لأنه مجزوم الموضع بلا الناهية ولكنه بنى على الفتح لتوكيده بالنون ومنع ذلك القرطبي فقال لو أراد النهى لقال ثم لا يغتسلن فحينئذ يتساوى الأمران في النهى عنهما لان المحل الذي تواردا عليه شئ واحد وهو الماء قال فعدوله عن ذلك يدل على أنه لم يرد العطف بل نبه على مآل الحال والمعنى انه إذا بال فيه قد يحتاج إليه فيمتنع عليه استعماله ومثله بقوله صلى الله عليه وسلم لا يضربن أحدكم امرأته ضرب الأمة ثم يضاجعها فإنه لم يروه أحد بالجزم لان المراد النهى عن الضرب لأنه يحتاج في مال حاله إلى مضاجعتها فتمتنع لاساءته إليها فلا يحصل له مقصوده وتقدير اللفظ ثم هو يضاجعها وفى حديث الباب ثم هو يغتسل منه وتعقب بأنه لا يلزم من تأكيد النهى ان لا يعطف عليه نهى آخر غير مؤكد لاحتمال ان يكون للتأكيد في أحدهما معنى ليس للآخر قال القرطبي ولا يجوز النصب إذ لا تضمر ان بعد ثم وأجازه ابن مالك باعطاء ثم حكم الواو وتعقبه النووي بان ذلك يقتضى ان يكون المنهى عنه الجمع بين الامرين دون افراد أحدهما وضعفه ابن دقيق العيد بأنه لا يلزم أن يدل عل الاحكام المتعددة لفظ واحد فيؤخذ النهى عن الجمع بينهما من هذا الحديث ان ثبتت رواية النصب ويؤخذ النهى عن الافراد من حديث آخر ( قلت ) وهو ما رواه مسلم من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم انه نهى عن البول في الماء الراكد وعنده من طريق أبى السائب عن أبي هريرة بلفظ لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب وروى أبو داود النهى عنهما في حديث واحد ولفظه لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة واستدل به بعض الحنفية على تنجيس الماء المستعمل لان البول ينجس الماء فكذلك الاغتسال وقد نهى عنهما معا وهو للتحريم فيدل على النجاسة فيهما ورد بأنها دلالة اقتران وهى ضعيفة وعلى تقدير تسليمها فلا يلزم التسوية فيكون النهى عن البول لئلا ينجسه وعن الاغتسال فيه لئلا يسلبه الطهورية ويزيد ذلك وضوحا